محمد بن الطيب الباقلاني

144

إعجاز القرآن

فجزاك ( 1 ) الله عن الاسلام وعن رسوله خيرا ، كنت عنده بمنزلة السمع والبصر . صدقت رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، حين كذبه الناس ، فسماك في تنزيله صديقا ، فقال : ( والذي جاء بالصدق وصدق به ) ( 2 ) . واسيته حين بخلوا ، وقمت معه عند المكاره حين قعدوا ، وصحبته في الشدائد أكرم الصحبة ، ثاني اثنين وصاحبه ( 3 ) في الغار ، والمنزل عليه السكينة والوقار ، ورفيقه في الهجرة ، وخليفته في دين الله وفى أمته - أحسن الخلافة - حين ارتد الناس ، فنهضت حين وهن أصحابك ، وبرزت حين استكانوا ، وقويت حين ضعفوا ، وقمت بالامر حين فشلوا ، ونطقت حين تتعتعوا ( 4 ) ، مضيت بنور إذ وقفوا ، واتبعوك فهدوا . / وكنت أصوبهم منطقا ، وأطولهم صمتا ، وأبلغهم قولا ، وأكثرهم رأيا ، وأشجعهم نفسا ، وأعرفهم بالأمور ، وأشرفهم عملا . كنت للدين يعسوبا ( 5 ) ، أولا : حين نفر عنه الناس ، وآخرا : حين قفلوا ( 6 ) ، وكنت للمؤمنين أبا رحيما ، إذ صاروا عليك عيالا ، فحملت أثقال ما ضعفوا عنه ( 7 ) ، ورعيت ما أهملوا ، وحفظت ما أضاعوا ، شمرت إذ خنعوا ، وعلوت إذ هلعوا ، وصبرت إذ جزعوا ، وأدركت أوتار ما طلبوا ، وراجعوا رشدهم برأيك فظفروا ، ونالوا بك ما لم يحتسبوا . وكنت كما قال رسول الله : صلى الله عليه وسلم أمن الناس عليه في صحبتك وذات يدك ، وكنت كما قال : ضعيفا في بدنك ، قويا في أمر الله ، متواضعا في نفسك ، عظيما عند الله ، جليلا في أعين الناس ( 8 ) ، كبيرا في أنفسهم .

--> ( 1 ) س ، ك : " جزاك " ( 2 ) سورة الزمر : 33 ( 3 ) م : " اثنين إذ هما " ، ( 4 ) س : " حين تبعبعوا " وفى اللسان 9 / 384 والتعتعة في الكلام : أن يعيا بكلامه ويتردد من حصر أوعى ، ومنه الحديث : الذي يقرأ القرآن ويتعتع فيه ، أي يتردد في قراءته ويتبلد فيها لسانه " ( 5 ) في اللسان 2 / 89 " اليعسوب : السيد والرئيس والمقدم ، وأصله أمير النحل وذكرها " ( 6 ) س " حين أقبلوا " ك : " حين قبلوا " ومعنى قفلوا : رجعوا ، يشير بذلك إلى الردة ( 7 ) سقطت من ك ، س ( 8 ) م " في أعين المؤمنين "